محمد جواد مغنية
184
في ظلال نهج البلاغة
انصرف عنه كان له فأبلغ في الكيد . . وسأل معاوية عمرا عما يريده ثمنا لانضمامه اليه فطلب أن يطعمه مصر حياته ، واستكثر معاوية هذا الثمن . . ثم اتفقا على ذلك ، وكتب بهذا الاتفاق بين الرجلين عهد مؤكد . ( فلا ظفرت يد البائع ) . وهو ابن العاص ، وكيف تظفر يد ظفر الاثم بصاحبها ( وخزيت أمانة المبتاع ) . وهو معاوية ، والمراد بالأمانة هنا حقوق المسلمين ، وبالخزي الذل والهوان ، وفيه إيماء إلى أن ما من أمة يقودها الخونة إلا ضربت عليها الذلة والمسكنة ، واستهان بها القريب والبعيد ، والقوي والضعيف ، وأصبحت أكلة لكل آكل ، وغرضا لكل طامع كما هو شأن العرب اليوم . . قهرهم اليهود على قلتهم ، وصاروا أذل الشعوب والدول والأمم . . ولا سر إلا خيانة القائد وفساده . وبعد ، فإن من تتبع وقرأ سيرة معاوية وصاحبه ابن العاص يعجب كيف يصنع حب الدنيا بالإنسان . . ولكنه يذهل عن نفسه وعن الكثير من معارفه الذين يتنافسون في الدنيا ، ويتكالبون على حطامها ، ويبيعون دينهم لكل من يدفع الثمن . . وهؤلاء موجودون في كل عصر ، وفي كل فئة دون استثناء .